القرطبي
132
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه الآخرة لمن الصالحين ( 130 ) . قوله تعالى : " ومن يرغب عم ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه " " من " استفهام في موضع رفع بالابتداء ، و " يرغب " صلة " من " . " إلا من سفه نفسه " في موضع الخبر . وهو تقريع وتوبيخ وقع فيه معنى النفي ، أي وما يرغب ، قاله النحاس . والمعنى : يزهد فيها وينأى بنفسه عنها ، أي عن الملة وهي الدين والشرع . " إلا من سفه نفسه " قال قتادة : هم اليهود والنصارى ، رغبوا عن ملة إبراهيم واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله تعالى . قال الزجاج : " سفه " بمعنى جهل ، أي جهل أمر نفسه فلم يفكر فيها . وقال أبو عبيدة : المعنى أهلك نفسه . وحكى ثعلب والمبرد أن " سفه " بكسر الفاء يتعدى كسفه بفتح الفاء وشدها . وحكي عن أبي الخطاب ويونس أنها لغة . وقال الأخفش : " سفه نفسه " أي فعل بها من السفه ما صار به سفيها . وعنه أيضا هي لغة بمعنى سفه ، حكاه المهدوي ، والأول ذكره الماوردي . فأما سفه بضم الفاء فلا يتعدى ، قاله المبرد وثعلب . وحكى الكسائي عن الأخفش أن المعنى جهل في نفسه ، فحذفت " في " فانتصب . قال الأخفش : ومثله " عقدة النكاح ( 1 ) " ، أي على عقدة النكاح . وهذا يجري على مذهب سيبويه فيما حكاه من قولهم : ضرب فلان الظهر والبطن ، أي في الظهر والبطن . الفراء : هو تمييز . قال ابن بحر : معناه جهل نفسه وما فيها من الدلالات والآيات الدالة على أن لها صانعا ليس كمثله شئ ، فيعلم به توحيد الله وقدرته . قلت : وهذا هو معنى قول الزجاج ، فيفكر في نفسه من يدين يبطش بهما ، ورجلين يمشي عليهما ، وعين يبصر بها ، وأذن يسمع بها ، ولسان ينطق به ، وأضراس تنبت له عند غناه عن الرضاع وحاجته إلى الغذاء ليطحن بها الطعام ، ومعدة أعدت لطبخ الغذاء ، وكبد يصعد إليها صفوه ، وعروق ومعابر ينفذ فيها إلى الأطراف ، وأمعاء يرسب إليها ثفل الغذاء ويبرز من أسفل البدن ، فيستدل بهذا على أن له خالقا قادرا عليما حكيما ، وهذا معنى قوله تعالى : "
--> ( 1 ) أي في قوله تعالى : " ولا تعزموا عقدة النكاح " راجع ج 3 ص 192 .